ابن عربي

412

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 7 ] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 7 ) أم الكتاب هي الآيات المحكمات ، والآيات المحكمات هي الآيات الدالة على وحدانيته تعالى ، بدليل قوله تعالى في أول هود ( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ) الآية ، ثم فسر إحكامها بالتوحيد في قوله ( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ) وفسر تفصيلها بالاستغفار والتوبة في قوله ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) ونبه تعالى أن آياته المحكمة ترجع أعدادها إلى آية واحدة محكمة وهي ( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) فما من علم من العلوم في الغيب ولا في الشهادة إلا وهو منتظم في سلك ( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) مستثمر من ثمار أسرارها ، ولهذا اكتفى بعلمها النبي صلّى اللّه عليه وسلم إجمالا وتفصيلا في قوله تعالى ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) والآيات المتشابهات إنما أنزلت من اللّه ابتلاء لعباده ، وبالغ سبحانه في نصيحة عباده في ذلك ، ونهاهم أن يتبعوا المتشابه بالمحكم ، أي لا يحكموا عليه بشيء ، فإن تأويله لا يعلمه إلا اللّه ، والراسخون في العلم إن علموه بإعلام اللّه لا بفكرهم واجتهادهم ، فإن الأمر أعظم أن تستقل العقول بإدراكه من غير إخبار إلهي ، فالمتشابه إن علمت أنه متشابه ولم تتعدّ به حدّه ، ولا أخرجته بميلك إليه ونظرك فيه عن المتشابه فلا حرج عليك ، وإنما الخوف والحذر أن تلحقه بأحد الطرفين ، وما ذلك حقيقته ، وإنما حقيقته أن يكون له وجهان ؛ وجه إلى كل طرف ، وجه إلى الحل ووجه إلى الحرمة ، ويتعذر الفصل بين الوجهين وتخليصه إلى أحد الطرفين ، فإذا اتبعته اتباع من لا يزيله عن حقيقته فما ثم زيغ ، فالمحكم في المتشابه التشابه ، فمن تأوله فقد أزاله عن الاشتراك ، وهو مشترك ، فقد زاغ من تأوله عن طريق الحق ، ولذلك نهينا عن الخوض في الآيات المتشابهات ، ونسبنا إلى الزيغ في اتباعها ، فإن الزيغ ميل إلى أحد الشبهين ، وإذا أولت إلى أحد الشبهين فقد صيرتها محكمة وهي متشابهات ، فعدلت بها عن حقيقتها ، وكل من عدل بشيء عن حقيقته فما أعطاه حقه ، فالكيّس من يقف عندها ولا يحكم فيها بشيء ، فإن لها شبها بالطرفين ، ومن ذلك الشبهات ، وهو كل